https://bralach.com/blog/wp-content/uploads/2021/02/death.jpg

الخطبة الأولى :هل تعرفون الموت – ماذا تعرف عنه ؟

الحمد لله الذي حكم على كل مخلوق بالفناء ، واستأثر لنفسه خاصة بالبقاء ، أحمده سبحانه – وأشكره – على تتابع النوال والعطاء ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الكمال المطلق في الذات – والصفات والأسماء ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، سيد المرسلين ، وإمام الحنفاء ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الجزاء.
أما بعد : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون * ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون * لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون ).
أيها المسلمون: هل تعرفون الموت ؟ نعم ، هل تعرفون الموت ؟ قد يقول قائل: وهل عاقل يسأل – مثل هذا السؤال ؟! وهل ثمة أحد لا يعرف الموت ؟! بل هل في الدنيا – من ينكر الموت – حتى – من غير المسلمين ؟! أما الموت – الذي هو توقف الدم – وخروج الروح من الجسد ، وانقطاع النفس – وخمود الحركة – وهمود الأعضاء ، ومغادرة الدنيا إلى حياة أخرى ، فكلنا قد رآه وعرفه ، إذ ما منا أحد ، إلا وقد مات – خلق كثير من أقاربه – وأحبابه – وجيرانه – وزملائه ، ولكن قلة من الناس قليلة -وندرة نادرة ، هم من يعرفون الموت المعرفة الحقيقية ، المعرفة التأملية العميقة ، التي تؤثر في النفوس- تأثيرا نافعا ، يغير مجرى الحياة – ويعدل الأخلاق ، ويضبط السلوك – ويزن التعامل ، ويوجه الأخذ – والعطاء ، بل ويوجه مسيرة الحياة – بشكل عام ، لتكون خواتيم الأعمال – هي الهم ، ومآلات الأمور – هي الشغل الشاغل ، ونتائج الأفعال – والتصرفات – على ذكر من القلوب ، بدلا من العيش – في لحظات – آنية وقتية ، والاستغراق – في مواقف لماعة – تؤججها – مشاعر خداعة ، أو الغوص في بحور -من الغفلات المستغرقة ، وسلوك سبل الضياع الملتوية ، والبعد عن صراط الحق المستقيم ، والميل عن جادة النجاة الواضحة.
الموت – يا عباد الله – هو قاهر المتكبرين ، ومرغم أنوف المتغطرسين ، وقاطع جهل الجاهلين ،أذل رقاب الجبابرة ، وكسر ظهور الأكاسرة ، وقصر آمال القياصرة ، يتهربون منه ويتجاهلونه ،حتى إذا أدار عليهم الدائرة ، أخذهم بيده القاهرة ، وقذفهم في ظلمات الحافرة ، وما هي إلا زجرة واحدة – فإذا هم بالساهرة ، قد خسروا الدنيا ولم يحصلوا شيئا من الآخرة ،
أجل – أيها الإخوة – يعيش الغافلون عن الموت ما عاشوا ، يخبطون في دنياهم خبط عشواء ، مقصرين في الحقوق ، غير مهتمين بالواجبات ، ولا متجنبين للمحرمات ، يتكبرون ويتبخترون ، ويظلمون ويكذبون ، ويغشون ويخادعون ، ثم لا يشعر أحدهم – إلا وقد هجم عليه الموت بغتة ،وأدركه هاذم اللذات – وهو بين أهله ، فانتزعه من حضن زوجه ، وحرم منه بناته وبنيه ، وأفقده قومه ومحبيه ، وهناك – تتلاشى قوته ، وتغيب عنه سلطته ، وتتفرق عنه زمرته ،( ويتخلى عنه من كان يخادعه – ويؤزه إلى الشر أزا ) ، ( ولا يظهر له حينئذ – وقد أيقن بالرحيل ) ،إلا مواقفه المخزية – التي أكل فيها الحرام ، أو شهد فيها بالزور ، أو جامل القبيلة والعشيرة – ومالأهم على الظلم ، أو احتقر فيها الضعفاء – وسخر بالفقراء ، أو ضرب وشتم واعتدى ، أو كتم أو كذب وافترى .
سؤال / هل جلستم في مجلس فذكر فيه – واحد من الأموات أو عدد منهم ؟! لا شك أن مثل هذا الموقف – قد مر على كل واحد منا – عدة مرات ، فهل كان حديث الناس عن الأموات واحدا ؟ لا والله ، فمنهم – من ذكروه – فدعوا له ومدحوه ، وأثنوا عليه خيرا – وزكوه ، وترحموا عليه – بل وبكوه ، ومنهم – من دعوا عليه وذموه ، وعابوه بل وانتقصوه ، وثمة – من لم يزيدوا على أن قالوا عنه : ربنا وربه الله. .. وكم تحمل – هذه العبارة – من المعاني لمن كان يعقل ، وتدل على أن الناس – قد اكتووا بشيء – من ظلم هذا الميت لهم ، ولكنهم الآن – لا يملكون أن يعيدوا – مما فات شيئا ، وقد تكون بينهم وبينه – صلة رحم – أو رابطة قرابة ، فأدركتهم – لحظة رحمة له – وشفقة عليه ، فآثروا عدم نشر سوءاته ؛ ولكنها والله – لن تغني عنه عند الله شيئا – إن كان قد ظلم ، ولن تنفعه شيئا – إن كان قد بخس ، ولن تنجيه إن كان – قد تعدى وتجاوز ؛ إلا أن تدركه – رحمة من الله – ( ويعفو عنه خصماؤه وغرماؤه ) ،
وما أصعب العفو في يوم عظيم ، يفر المرء فيه من أخيه ، وأمه وأبيه ، وصاحبته وبنيه ، ويتمنى أن له حسنة عند أقرب الناس إليه – فيفتدي بها من العذاب ؛( يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه * وصاحبته وأخيه * وفصيلته التي تؤويه * ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه ).
ألا فلنتق الله – أيها المسلمون – فإن الموت حقيقة لا مفر منها ، ومصيبة واقعة بكل واحد منا – طال العمر – أم قصر ، فعائد بعده – إلى ربه ومولاه ، فمحاسب – على كل ما اكتسبت يداه ؛ ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون * وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون * ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ) ، ( قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ) .
إن أعقل الناس وأحسنهم خلقا – وأقومهم طبعا ، هم أكثرهم : للموت ذكرا ، وأحسنهم لما بعده استعدادا ، عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أنه قال : كنت مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فــجاءه رجل من الأنصار – فسلم على النبي – صلى الله عليه وسلم – ثم قال : يا رسول الله ، أي المؤمنين أفضل ؟ قال : “ أحسنهم خلقا” قال: فأي المؤمنين أكيس ؟ قال:” أكثرهم للموت ذكرا ، وأحسنهم لما بعده استعدادا ، أولئك الأكياس“( رواه ابن ماجه وحسنه الألباني ).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : ( يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون * وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين * ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون ).
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم ، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم .
*** *** ***
الخطبة الثانية : –
الحمد لله العلي الأعلى ، الذي خلق فسوى ، وحكم على خلقه بالموت والفناء ، والبعث إلى دار الفصل والقضاء ، لتجزى كل نفس بما تسعى ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، و أشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه – ومن بهداهم اقتدى ، وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد ، فاتقوا الله تعالى – وأطيعوه ولا تعصوه ) ومن يتق الله يجعل له مخرجا ( ،
( ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا ) ، ( ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا ). يا عبد الله :
( الأماني – والآمال – والأحلام )، والرغائب التي كنت تتمناها – في هذه الدنيا ، المستقبل الذي كنت تبنيه ، هل صارت كلها – أمام عينيك – واقعا – ملموسا ؟ هل رزقت المال ؟ وسعدت بالبنين ؟
هل بلغت من الجاه والشهرة – مبلغا ؟ هل تنقلت في الأرض – شرقا وغربا ؟ هل أشير إليك بالبنان – وغدوت أهم إنسان ؟ هل ملكت الضياع – والدور – وسكنت القصور ؟
هب أن ذلك كله قد حصل ، أو كان لك منه – ما كان ، فسيبقى سؤالنا أمامك : هل تعرف الموت ؟! نعم ، هل تعرف الموت ؟!
إنه سيجعل كل ذلك – وكأن لم يكن منه شيء ، فيا لها من مصيبة – لا يجبر مصابها ، ولا تنقضي آلامها – ولا أوصابها ، إن كنت – قد نلت ما نلت من دنياك – وعمرته – على حساب ضياع دينك وهدمه!
يا تائها في دنيا الغرور: إن الموت – يقطعك من القبيلة ، ويحول بينك – وبين العشيرة ، وينقلك – من حياة المجاملة – والتناصر بالباطل ، إلى حياة – تنظر فيها – إلى ما قدمته أنت ، ولا تجد – إلا ما أسلفته أنت ، في حياة – كل نفس فيها – بما كسبت رهينة ؛ ( يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا(
فيا مسرورا – بما فتح عليه من الدنيا ، نسب وحسب ، ومال ونشب ، وجاه عريض – ومنصب كبير ، دعتك بمجموعها – إلى الفخر والتعالي – والتكبر – وظلم الآخرين ، اجعل الموت – نصب عينيك ، فقد يكون – هو نهاية غرورك – وخاتمة سرورك ، وقاصمة ظهرك – وقاطع أمرك ، ومبدأ عذاب لك شديد.
ويا ضائقا صدره بالحياة – لما بلي به – من ظلم وقع عليه ، أو مرض – اشتد به ، أو فقر طال – أو هم أرقه ، أو عقوق ولد – أو هجر قريب ، تذكر الموت ، نعم ، تذكر الموت ،
فــلـربما – كان هو مفتاح السعادة الأبدية ، والباب الذي تدخل منه – إلى الراحة السرمدية ، ومخلصك – من الشقاء والعناء ، وبداية النعيم المقيم لك – في جنة عرضها السماوات والأرض ، قال – عليه الصلاة والسلام-: “ ( أكثروا ذكر هادم اللذات – الموت ؛ فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش – إلا وسعه عليه ، ولا ذكره في سعة – إلا ضيقها عليه“( رواه ابن حبان وحسنه الألباني. وكان من دعائه – عليه الصلاة والسلام – كما في صحيح مسلم : “واجعل الموت راحة لي من كل شر “.
أيها المسلمون : إن القصاص قبل الموت – أهون منه بعده ، فمن كان عنده مظلمة لأخيه – من مال – أوعرض، فليتخلص قبل الموت ، وليتخفف قبل الموت ، وليعد إلى أخيه – ما سلبه منه – قبل أن يعيده إليه الموت ،
والله – لو عرفنا الموت – حق المعرفة – وتذكرناه كما ينبغي ، لما قصرنا في أداء الصلوات ، ولما هجرنا الجماعات ، ولما أتينا منكرا – ولا زورا – ولا منعنا حقا – ولا غشينا فجورا ،
أين من الموت – من عق والديه ؟ أين من الموت – من قطع رحمه ؟ أين من الموت – من آذى الجار وجار؟ أين من الموت – من مال مع إحدى زوجاته ؟
لو تذكر كل منهم – أن الحق سيؤخذ منه بعد الموت – رغما عنه ، لكان له شأن آخر.
ألا فلنتق الله – عباد الله -؛ ( يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور * إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ) .
ثم ٱعلموا عباد الله .. أن الله أمركم بأمر عظيم ، أمركم بالصلاة والسلام على نبيه الكريم فقال :
﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) ،
فـاللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد ، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين والمبشرين بجنة النعيم ، وآل بيته الطاهرين ، وعن الصحابة أجمعين ، و عن التابعين ، و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ، اللهم اجعلنا ممن استمع القول فاتبع أحسنه ،
اللهم بعلمك الغيب – وقدرتك على الخلق – أحينا ما علمت الحياة خيرا لنا – وتوفنا إذا كانت الوفاة خيرا لنا.
اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة – وكلمة الحق في الغضب والرضا ،
ونسألك القصد في الفقر والغنى , ونسألك نعيما لا ينفد – وقرة عين لا تنقطع .
ونسألك الرضا بعد القضاء ، ونسألك برد العيش بعد الموت ، ونسألك لذة النظر إلى وجهك ،
ونسألك الشوق إلى لقائك – في غير ضراء مضرة – ولا فتنة مضلة ،
اللهم زينا بزينة الإيمان – واجعلنا هداة مهتدين .
اللهم وفق إمامنا لهداك ، واجعل عمله في رضاك ، ووفق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك ، وتحكيم شرعك يا ذا الجلال والإكرام ..
اللهم إنا نعوذ بك ( من قلب لا يخشع ،، ومن عين لا تدمع ،، ومن أذن لا تسمع ،، و من نفس لا تشبع ،، و من علم لا ينفع ،، و من دعاء لا يسمع ،، و من صلاة لا ترفع ) .
عباد الله ..
( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والـمنكر والبغي ،يعظكم لعلكم تذكرون ).
اذكروا الله العظيم (يذكركم ) – وٱشكروه ( يزدكم )، وٱستغفروه ( يغفر لكم ) – ولذكر الله أكبر ، والله يعلم ما تصنعون ،
سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين .

الكاتب

ابراهيم لشكر

فريلانس مستقل -مبرمج ومطور مواقع وتطبيقات أندرويد_ مسوق ورائد أعمال رقمية - باحث طالب في التغدية العلاجية -و التنمية البشرية والعلوم الشرعية واستشاري نشط على مجتمع كورا العربي

الدار البيضاء

المغرب